محمد الغزالي
437
فقه السيرة ( الغزالي )
الشعوب ، فلا يحظون بساعة راحة إلا ليستجموا قليلا ، ثم ينهضوا لاستئناف اللغوب ! فكيف بصاحب الرسالة العظمى ؟ ولقد لقي من العرب ما رأيت ! ونسأل أيضا : ما مكان المتعة في حياة رجل عزف عنها وهو شاب ، فكيف يغرق فيها وهو شيخ ؟ ! . إنّ الظروف التي أحاطت بالزوجات الخمس الأخرى ، تجعل البناء بهن بعض ما كلف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بتجشمه من سياسة الأفراد والجماعات ، وبعض ما كلف بتحقيقه من إقامة الخير ومحو الضر . [ زواجه بالسيدة زينب رضي اللّه عنها ] : خذ مثلا زواجه بزينب بنت جحش رضي اللّه عنها ، كان هذا الزواج امتحانا قاسيا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أمره اللّه به لإبطال تقليد شائع عند العرب ، وأقدم عليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو شديد التحرج والحياء والأذى . وزينب هذه من قريبات الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فهو يعرفها حق المعرفة من طفولتها ، وقد رغب في أن يزوجها من زيد بن حارثة ، فكرهت ذلك ورفض أخوها اعتزازا بما لأسرة زينب من مكانة ، فهي في ذؤابة الشرف ، وما زيد ؟ ! إنه كان عبدا ، ولو أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أكرمه فيما بعد وألحقه بنسبه فصار يدعى زيد بن محمد ! ! . إلا أن زينب لم تجد بدّا من الانصياع لأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أراد أن يحطّم الاعتزاز بالأنساب ، وأن ينكح زيدا زينب ! فرضيت وفي نفسها غضاضة ، وقبل أخوها وهو يؤدي حق السمع والطاعة فحسب ، بعد ما نزل قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ( 36 ) [ الأحزاب ] . ودخل زيد بزينب ، فوجد امرأة مصروفة الفؤاد عنه ، تسلّمه جسدها وتحرمه العطف والتقدير ، فثارت رجولته ، وقرر ألا يبقى معها ، وتدخّل النبي صلى اللّه عليه وسلم بين الحين والحين لإصلاح ذات البين دون جدوى . في هذه الحال أوحى اللّه لنبيّه أن يدع زيدا يطلّق زوجته ، وأن يتزوجها هو بعد انتهائها منه . فاعترى الرسول صلى اللّه عليه وسلم همّ مقلق لهذا الأمر الغريب ، وساوره التوجّس من